الشيخ محمد رشيد رضا

183

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفتر الوحي « 1 » قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه « بينا أنا ماش إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بجراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني فأنزل اللّه تعالى ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ) إلى قوله ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) فحمي الوحي وتتابع « 2 » اه ( وأقول ) اخرج البخاري حديث جابر في تفسير سورة المدثر من طرق في بعضها أن أولها أول ما أنزل مطلقا وفي البعض الآخر انها من حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن فترة الوحي كالتي هنا وقد عبر صلّى اللّه عليه وسلّم عن رعبه من رؤية الملك بقوله « فجئثت منه

--> ( 1 ) فتر الوحي انقطع موقتا ليعود - وكانت فترة الوحي ثلاث سنين - وهي ما بين بدئه بأمر جبريل له بالقراءة وبين نزول أول سورة المدثر التي أمر فيها بانذار الناس ( 2 ) أي انصل مدة التبليغ كلها وهي عشرون سنة ولكنه كان نجوما متفرقة حسب الحاجة ، فتارة تنزل السورة دفعة واحدة ، وتارة تنزل الآيات المتفرقة ، وقد يكون بين ذلك فترات قصيرة ، كالذي ورد في سبب نزول سورة الضحى . وقد اختلط الامر في هذا على درمنغام فظن أنها هي التي نزلت بعد فترة الوحي ، والمروي انه نزل قبلها بضع سور : وكان سبب نزولها كما في الصحيحين من حديث جندب بن سفيان ان النبي ( ص ) اشتكى ( أي وجع ) فلم يقم ليلتين أو ثلاثا ( أي إلى تهجده وتلاوته ) فقالت امرأة يا محمد اني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث . فأنزل اللّه عز وجل ( وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) اه تقرأ ودعك بالتشديد والتخفيف ومعناهما واحد وهو الترك ، والقلى بالكسر والقصر البغض ، أي ما تركك ربك وما أبغضك - وهذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب وبنت أبي سفيان كما رواه الحاكم عن زيد بن أرقم . وكان هذا بعد نزول سورة ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ) وروى ابن جرير من طريقين مرسلين أن جبريل أبطأ على النبي ( ص ) فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة اني أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك فنزلت - ومعارضة رواية الصحيحين لهاته الرواية المرسلة تسقط اعتبارها وإن جمع الحافظ بينهما بأن خديجة قالت ما قالت توجعا ، وحمالة الحطب قالته شماتة